بسم الله الرحمن الرحيم

 

               "  الحقُ لن يضيع "

 

فدك من حق الزهراء ( سلام الله عليها )

 

إهداء :

إلى مَن أيـقـظ روح الكتابة من أعماقي النائمة ... لينطق قلمي حقـاً ، وترى كتابـاتي الـنور ..

إلى موقع فدك المتميز .. لسيره على الخط المستقيم ، ونشره الحق القويم ..

إلى  كل من يبحث عن الحقيقة التائهة في زمن تقلبت فيه الحقائق زيفاً ، وصار الحق باطلاً ، و في زمن نرى العلم جهلاً والدين كفراً .. فبِتنا نرى الأمور معكوسة الاتجاهات .. مقلوبة رأساً على عقب ، و لا شيء على حقيقتها .. إذاً لنبحث يا أهل الحق عن الحق الذي غدا في نظر البعض  باطلاً .. لنبحث معاً عن هذا الحق الضائع .. الموجود دائماً و أبداً .. فالحق لا و لن يضيع مهما طُمس أثره ، وطُمر دربه .. 

إلى هؤلاء جميعاً أُهدي جُهدي المتواضع في هذا البحث مع شكري وتقديري لهم ...

مقدمة :

إشكالاتٌ كثيرة دارت حول قضية فدك ، وهي قضيةٌ لم تتضح أبعادها الحقيقية للكثيرين ممن ألتُبس عليهم الأمر ، و وجد الشك طريقه لقلوبهم العليلة و نفوسهم المريضة ، فحاولوا إثارة الريبة والشك في أحقية الزهراء - عليها السلام - في أرض فدك بدعوى أنها متشتتة في طلبها ، متزعزعة في دعواها ، بعد أن بينت التواريخ إن احتجاج الزهراء على أبي بكر وعمر قد تمّ في موقفين : في المرة الأولى طالبت بها على أنها نحلةٌ و منحةٌ النبي (ص) لها ، وفي المرة الثانية على أنها تركةٌ لها وميراث ، وهذا ما دفع  هؤلاء إلى إثارة البلبلة بين الصفوف الموحدة و إثارة الغبار حول القضية .. محاولين إضعاف موقف الزهراء (ع) ، وهضم حقها في فدك، وبيان أنها من فيء المسلمين و ليست ملكاً لها ، مع أنها أثبتت حقها بنصوص كثيرة لم تؤخذ أي منها في الاعتبار .

قضية فدك واضحةٌ وضوح الشمس لمن أطلع على ما وراء  أحداثها ، وكشف حقائق أمورها ،  لكن بعض التساؤلات المثارة حول القضية تجعل منها قضية جدلية ساخنة لا بد من مناقشتها لإزالة ما يشوبها من الغموض والإبهام ، و تساؤلات كثيرة تطرح نفسها في هذا المقام أهمها : ما السبب الذي دفع السيدة فاطمة - سلام الله عليها - تطالب بـفدك على أنها نحلةُ ثم تطالب بها كإرثٍ لها ؟؟ و سنتحدث عن ذلك  لاحقاً .

ما هي فدك ؟

ما فدك إلا قرية تبعد عن المدينة مسافة يومين أو ثلاثة ، اضطر سكانها اليهود للاستسلام لرسول الله لعدم قدرتهم على مقاومة جيشه (1)،  فالغنائم كما هو مذكور في القرآن تُوزع على المسلمين إن كانت عن طريق الحرب وذلك بعد فصل خُمسها  ، أما لو كانت من غير حرب فهي من نصيب الرسول (ص)  لهذا كانت فدك من نصيب الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لأنه لم يوجف عليها بخيل أو ركاب ،  وتنفيذاً للأمر الإلهي وهبها للزهراء (ع) .

إشكالات حول فدك : 

ما تزال فدك مسرحاً للجدال بين الشيعة والسنة ، و لكوننا أهل الحق و لا نبحث إلا عنه انطلاقاً من هذا المبدأ ، وإيماناً منا بضرورة إحقاق الحق وإظهاره على الملأ ، لا بد لنا من مناقشة قضية فدك بإشكاليها بشيء من الإسهاب حتى تنجلي للعامة الغوامض التي تلف القضية .. وحتى يتبن لنا الحق من الباطل ، ونكون على بصيرة من أمرنا من هذه القضية  :

الإشكال الأول : مناقشة الزهراء ( ع ) لقومها و مطالبتها بفدك على أنها نحلةٌ أهداها إياها الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وهذه حقاً ما نادت بها قومها طالبة النصرة ، ذاكرةً مظلوميتها ، والأدلة جليةٌ على أن فدك نحلةٌ وليست إرثاً ، وكل البراهين واضحة تدعم قولها الحق .. و من تلك الأدلة  :

1-      ما جاء في الدر المنثور للسيوطي عن أبي سعيد الخدري بأن الزهراء (عليها السلام  ) هي المقصودة في الآية " وآتِ ذا القُربى حقه " و بنزولها سأل رسول الله (ص ) جبرئيل : مَن ذو القربى وما حقه ؟ فأجاب : يقول الله عزّ وجلّ أن ذا القربى هي الزهراء ( ع ) ، وحقها أن تهبها فدكاً (2)  و هذا ما تجمع عليه المصادر الشيعية و السنية  .

2-      ما قاله العامة والخاصة بأن الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  ملّك فاطمة فدكاً وأعطاها العوالي أيضاً ، وذلك قبل وفاته ( ص ) بأكثر من ثلاث سنين ، وهذا دليلٌ على أنها لم تكن من إرث النبي ، لأن الإرث لا يكون إلا بعد وفاته بينما النبي أنحلها في حياته للزهراء لتكون وقفاً عليها وعلى ذريتها .

3-      ما ذكره ابن أبي الحديد وابن حجر وغيرهما بأن الزهراء هي مالكة فدك والمتصرفة فيها ، حيث كانت مطلقة اليد فيها ، وكان عمالها يجمعون عائداتها لتوزعها الزهراء كما ينبغي على الفقراء والمساكين .

4-       ما نقل من السنة والشيعة عن أمير المؤمنين قوله في نهج البلاغة : " كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشّحت عنها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين .. " وقوله هذا يؤكد بأن فدك كانت نحلة ولم تكن إرثاً (3).

5-       ما صرّحته الزهراء - عليها السلام - لبعلها أمير المؤمنين (ع ) في شكواها بعد اغتصاب فدك منها بقولها : " يا بن أبي طالب اشتملت شملة الجنين .. " إلى أن ذكرت بأن فدك نحيلة وهبها لها النبي لتكون مصدر رزقها و رزق ذريتها ويتضح ذلك من قولها : " هذا ابن أبي قُحافة يبتزني نُحيلة أبي وبلغة ابني " (4) .

6-       وكذلك خطابها لعائشة بنت طلحة عندما سألتها عن سبب بكائها ، فأجابتها الزهراء (عليها السلام  ) : " أ سائلتي عن هنة حلق بها الطائر ، وحفي بها الساتر .. فلما خبا نور الدين و قبض النبي الأمين ، نطقا بفورهما ، ونفثا بسورهما ، وأدلا بفدك ، فيا لها لمن ملك ، تلك أعطية الرب الأعلى للنجي الأوفى ، ولقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله ونسلي ، وأنها ليعلم الله وشهادة أمينه ، فإن انتزعا مني البلغة ، ومنعاني اللمظة ، و احتسبتها يوم الحشر زلفة وليجدنها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم " (5) وواضح من كلامها أن أبا بكر وعمر اغتصباها فدك بعد وفاة أبيها بدليل تكرار ألف الاثنين في خطابها الدالٌ عليهما ، كما ذكرت أنها نحلة أهداها إياها الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  بأمر من العلي القدير وبشهادة جبرئيل الأمين ، و أعلنت غضبها على من أكلوا حقها جوراً و ظلماً وهذا جليٌّ في عبارتها الأخيرة ، وخطابها هذا ملخص لما عانت منه حبيبة المصطفى من غبن وحيف و ما لحقها من تعسف و اضطهاد ، بعد أن طالبت بحقها المسلوب وملكها المغصوب .

هذه النصوص تؤكد على أن فدك نحلة للزهراء و لبنيها من بعدها ، وهذا ما نُسلّم به نحن الشيعة الإمامية ، ولكن الفريق الآخر يعتبر فدك من حق المسلمين و يتشكك في مدى أحقية الزهراء  لها استناداً على حديث مختلق ، و يرى هؤلاء بأنها لم تقدم دليلاً واحداً يثبت صحة أقوالها وصدق دعواها .. نقول : أن الزهراء لا تدعيّ ما ليس لها فهي الصادقة ابنة الصادق الأمين .

الإشكال الآخر :   مناقشة مطالبة الزهراء (عليها السلام  ) بفدك على أنها تركة الرسول لها ، فبعد أن هضموا حقها في فدك كنحلة فرضت عليهم أن يصلها بالوراثة ، ونتساءل فرضاً لو كانت فدك إرثاً مع العلم إن تركة _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم تكن منحصرة في فدك وحدها ، فلماذا لم يؤخذ كل إرثه واقتصر الأمر على فدك ، مع أن الروايات تذكر أن النبي كان يملك دواباً كثيرة وعصا و سلاحاً وعمامة وكلها صارت إرثاً وُزعت في مواضعها ، فلماذا تركوا ما لا يتعارض وأهدافهم لحال سبيله و لم يطالبوا الزهراء به (6)، وتصرفوا في فدك كما يحلو لهم  مستفيدين من عائداتها العميمة بالخير .

جاء في شرح النهج أن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة (عليها السلام  ) بعد وفاة أبيها مباشرة ، و وضع يده عليها ضمها إلى أموال الدولة يتصرف في عائداتها كما يحلو له ، ولما طالبته الزهراء بها كميراث ذكر لها بأنه سمع الرسول (ص) يقول : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " ، وفي رواية أخرى قال لها : " إن أباك لم يترك درهماً و لا ديناراً " ، وطالبها بشهودٍ فأحضرت علياً والحسنين ( عليهم السلام ) ، وأم أيمن ( التي قال عنها رسول الله أنها من أهل الجنة ) ، وفي رواية أسماء ، لكنه ردّ شهاداتهم جميعاً ، فقد ردّ شهادة علي (عليه السلام ) بحجة أنه يجر المنفعة لنفسه ، ورد شهادة الحسنين (عليهما السلام ) لعدم بلوغهما الحلم ، كما رد شهادة أم أيمن وأسماء وأعتبرها شهادة ناقصة (7) لأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحدة ، فالشهادة في مثل ذلك لا تكون إلا بشهادة رجلين أو شهادة رجل وامرأتين .

وعلى ضوء ما ورد نرد بالآتي فنقول :

1-      بالنسبة للحديث " نحن معاشر الأنبياء " أجمع المؤرخون والمحدثون على أن أبا بكر هو المصدر الوحيد له ، ولم يذكر أحد من الصحابة بأنه سمعه من الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  غير أبي هريرة لأن كل من رواه من بعده أسنده إليه ، و لا يمكن الاكتفاء بشخص واحد ينقل حديثاً عن الرسول ، وهذا يؤكد لنا إنه حديث مكذوب بل ومختلق لأنه يناقض القرآن في قانون الإرث ، و فرضاً لو قلنا أن هذا الحديث صحيحٌ و قاله (ص) ، فـفي حديثه هذا مخالفة صريحة لنصوص القرآن الكريم ، وهذا يعني أن السنة تناقض الكتاب ولا تتوافق معه مما يبعث الشك في نفس المسلم تجاه دينه ، فهو يعلم بأن السنة ما هي إلا ترجمة مفصلة لما جاء في الكتاب و متطابقة معه ، و يستحيل أن يناقض الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كتاب الله  ، ولا يمكننا القول بمخالفته (ص) وابنته الزهراء للقرآن الكريم ، ، فهم أهل الرسالة ومهبط الوحي ، وفيهم نُزّل القرآن ، إذاً هذا الحديث مختلق ، و موضوع لتحقيق مصالح قوم وهذه  للحقيقة أقرب .

2 - ما ذكره ابن أبي الحديد بأن هذا الحديث لم ينقله ولم يسمعه من الرسول (ص) أحدٌ سوى أبي بكر ، وليس معقولاً أن يقوله الرسول فقط لأبي بكر ولم يقله لسواه ،  ولو كان هذا حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلماذا لم يسمعه أحد من المسلمين إلا هو ،  مع أن الرسول بعد نزول الوحي كان  يجمع المسلمين حوله ليبلغهم بالتشريع المنزل ( 8)  والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو : أنّى للرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  أن  يخفي هذا التشريع عن جميع المسلمين وعن أقرب الناس إليه صلةً و قرابة ، وهل يمكن أن يخفي ذلك عن ابنته وابن عمه ؟؟، وهو يعلم أن ذلك سيعرضها للخلاف مع من يلي الأمر بعده ، بل قد يعرضها للمطالبة بما لا تستحق وبالتالي يؤدي ذلك إلى إيذائها وغضبها ، وهو لا ينفك يردد في أكثر من مناسبة أن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، و نعلم علم اليقين أنه لا ينطق عن الهوى .

3 - آيات القرآن دلائلٌ ناطقة على كذب هذا الحديث واختلاقه ومنها  قوله تعالى : " وورث سليمان داود " (9) و " رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب " (10 ) و " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "(11) هذه الآيات وغيرها تنطق حقاً ، أ يُعقل أن يرث الأنبياء بعضهم بعضاً ، وعندما يصل الأمر إلى النبي محمد ( ص)  فهو لا يورث وكل ما تركه صدقة ؟؟

قد يدعيّ البعض بأن المقصود من إرث الأنبياء هو إرث العلم والنبوة مع أن نص القرآن صريح .. ادعاؤهم هذا داحضٌ و باطل ، لأن الإرث متى ما ذُكر في القرآن قُصد به ظاهراً المال ، و الإرث مطلقاً هو المال ، وإذا كان الأمر خلاف ذلك .. فأين الدليل ؟؟ .

و إذا كان النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _  لا يُورث ، فلماذا طالبت عائشة بميراثها منه ،  و هي بذلك تناقض أباها وتخالفه ؟؟  فقد روي الطبري والثقفي في تاريخيهما بأن عائشة جاءت إلى عثمان و طالبته بميراثها من الرسول بعد أن رفض إعطائها ما كان يعطيها أبوها و عمر ، فرد عليها قائلاً : " لا أفـعل .. أو لم تجيء فاطمة تطلب بميراثها من رسول الله ، فشهدتِ أنتِ ومالك البصري أن النبيَّ (ص ) لا يورث .. أبطلتِ حق فاطمة وجئتِ تطلبينه ؟ لا أفعل (12). وهذا الموقف دفعها فيما بعد إلى الثورة عليه  حيث كانت تصيح غاضبة : " أقتـلوا نـعثلاً .. فقد كفر " .

كما أنها تتصرف في ملك رسول الله كأنها ملكها لوحدها دون غيرها .. حيث لم تسمح بدفن جثمان الحسن المجتبى (عليه السلام ) قرب جده رسول الله في حجرتها فقال لها ابن عباس : إن لك تُسع الثُمن من هذه الحجرة و تدّعين ملكيتها .

      تجملتِ تبغلتِ(13) وإن عشتِ تفيلتِ       لك تُسعٌ من الثُمن و في الكل تصرفت(14)

سؤال : كيف لعائشة أن ترث كل البيت من بين أزواج النبي التسعة ، و قد شهدت بأن الأنبياء لا يورثون ؟؟ في أي كتاب يُعطى حق الزوجة من إرث زوجها ، و تُمنع البنت من حقها في ميراث أبيها ؟؟ .. ويبقى السؤال بلا جواب !!

والطامة الكبرى أن يناقض المرء نفسه بنفسه ، وهذا ما قام به أبو بكر فقد ناقض نفسه بنفسه بإصداره حكماً عادلاً لعلي كان الأجدر به أن يصدره سابقاً للزهراء (عليها السلام  ) في حياتها ، فبعد وفاة الزهراء (ع ) اختلف العباس عم النبي (ص ) مع الإمام علي (ع) على تركة النبي _ من عصا و ثوب درع و دابة _ فالعباس يطالب بها لكونه عم النبي بينما يقول الإمام بأنها لفاطمة و لبنيها من بعدها ، واحتكما إلى أبي بكر وعمر فحكما لعلي و ذريته لأنها إرث الزهراء من أبيها و من ثم صارت إرثاً لأبنائها و زوجها بعد وفاتها ( 15) .. أي تناقض فاضح في حكمهما هذا  !! كيف نسيا ما قالاه سابقاً للزهراء بأن الأنبياء لا يوِّرثون ، وهما يحكمان الآن لصالحها و لصالح ذريتها ..  ماذا ستجني الزهراء من هذا الحكم بعدما ضاعت منها فدك و كانت مرتعاً لخيراتهم ، ومنبعاً لجاههم ؟

بماذا سينفعها هذا الحكم بعد ظُلمت وأُغضبت .. بعد أن ذاقت المرّ وعاشت ويلات القهر ..؟؟

أتساءل : هل حكمهما هذا تكفيرٌ عما اذنباهُ في حق الزهراء ( ع ) ؟؟ هل حكمهما هذا نابعٌ من تأنيب حقيقي للضمير من ذنب عظيم ؟؟ .

تساءل بنفسك أنت أيها القارئ كما ترغب ، وإن شطح بك الخيال بعيداً وأخذك لتصورات بعيدة .. قد لا يقبلها عقلك ولكنك ستجدها معقولة لأنها الحقيقة  ..و  لا شيء غير الحقيقة .. أيها القارئ حكّم ضميرك وأحكم بعدها بما تشاء ، و لكن بالحق و لا ترضَ عنه بديلاً ، والله معك ، وستجد إن الحقَ مع الحق والباطل مع الباطل إن الباطل زهوقٌ .

ما يهمنا هنا أن أبا بكر بيّن لنا بعينه أن الحديث الذي اختلقه لا أساس له من الصحة و لا وجود له أصلاً .

و الزهراء عندما فرضت عليهم أن تكون فدك ملكاً لها بالوراثة حسب الشرع .. سألت أبا بكر بأنه هل يحق له أن يرث أباه و لا يحق لها أن ترث أباها ؟؟ إن هذا لشيءٍ عُجاب .. أي عقلٍ يقبل هذا ، و أي كتابٍ ينطق  بهذا  ؟؟ . أ فعلى عمدٍ تركوا كتاب الله ، ونبذوه وراء ظهورهم  ؟؟ لم علينا أن نأخذ ببعض الكتاب ، ونترك بعضه الذي لا يخدم مصالحنا ولا يتوافق و أهدافنا .

لقد كان على القوم أن يرعوا للزهراء حرمةً ويحفظوا وصيةَ الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  فيها ، حتى لو افترضنا محالاً بأنها ادعت ما ليس لها _ وحاشا أن يصدر منها ذلك _ فليس معقولاً أن يعترض أحد المسلمين على أبي بكر لو ترك لها فدك .. ولكن الأمر غير ذلك .

فقد ذكر ابن أبي الحديد أنه بعد عودة الزهراء من المسجد باكيةً أحدث ذلك رد فعل عنيف بين المسلمين ، فصعد أبو بكر المنبر وشتم علياً و فاطمة ( عليهما السلام ) و قال : نعم يا ابن هذه الدنيا إن الملك عقيم لا يفرق بين قريب و بعيد ، وليس فيه مراتب عالية وأخرى واطئة .

مما حدا بابن أبي الحديد أن يسأل أستاذه المعتزلي : لماذا تكلم أبو بكر بهذا الكلام الجارح ،  و الذي اعتدى فيه على حُرمة علي وفاطمة ؟ فأجابه : يجب أن يتحدث السلطان أحياناً بهذه الصورة لحفظ سلطنته .. إذاً المسألة لم تكن خلافة بالحق بل رئاسة و سلطنة (16).

                 ليت شعـري ما كان ضـرهما       حفظـاً لعهـد النبي لو حفـظاها

                كان إكـرام خاتم الرسل الـها       دي البـشير النذير لو اكـرمـاها

                ولكان الجـميل أن يعـطياهـا       فدكاً لا الجـميل أن يقـطعـاها

                أ ترى المسلمين كانوا يـلومـو       نهما في العـطاء لو أعـطياهـا ؟!( 17)

2-      بالنسبة للشهود لم يكن صعباً على الزهراء (عليها السلام ) إشهاد أكبر عدد من المسلمين الثقاة ممن لا يمكن الطعن في شهادتهم ، والذين كانوا على علم بحق الزهراء وكيفية تصرفها في فدك في حياة أبيها ، لكنها اكتفت بعلي والحسنين (ع) لكي تسجل على القوم رداً صريحاً لنصوص الرسول فيه وفي ولديه ، كما أنها لو أحضرت ثلاثين شاهداً و من خيرة الصحابة لعارضهم أبو بكر بشهود مثلهم مثلما عارض شهادة أم أيمن وأسماء ، وفي رواية شهادة عبد الرحمن بن عوف .

_  من المخجل حقاً في  هذه القضية رفض شهادة علي (عليه السلام )  فعليٌّ هو نفس النبي كما جاء في آية المباهلة ( وأنفسنا ) وردُ شهادته هو ردٌ لشهادة النبي (ص ) ، ونجد أن أبا بكر وعمر خالفا بذلك الحكم الإسلامي في ردهما لشهادة علي (عليه السلام ) لصلته بالزهراء ، فالقرابة وحدها لا تمنع قبول الشهادة ، كما أنهما خالفا الرسول (ص ) في اتهامه بالتحيز لعلي وقد سمعاه أكثر من مرة يقول : " عليٌ مع القرآن والقرآن مع علي ، و عليٌ مع الحق والحق مع علي يدور حيث ما دار " (18) وهذا ما تتفق عليه السنة والشيعة بالإضافة إلى العديد من الروايات والأحاديث المذكورة في صحيح البخاري التي تؤكد نزاهة علي وصدقه و بأنه فوق الشبهات و لا يجوز رد شهادته .

_ كذلك الزهراء (ع ) منزهة عن الكذب بشهادة القرآن ، و طلبُ شاهد على صدقها مع كونها متصرفة هو خلاف قانون القضاء ، فضلاً عن أنه عمل خاطئ لأن الله تعالى يقول : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويـطهركم تطهيراً " (19) فالزهراء طاهرةٌ مطهرة ، معصومةٌ عن الخطأ ، ولا يمكن اتهامها بالكذب بطلب شهود على صدق كلامها ، و يستحيل على من نشأ في بيت النبوة والقرآن أن يعرف للكذب طريقاً ، أو يدّعي ما لا يستحقه ، وحسبنا اعترافُ عائشة بصدقها ( وهي ابنة من غصب حقها ) :" ما رأيتُ أحداً كان أصدقَ لهجةً من فاطمة إلا أن يكون الذي وَلدها " .

وبهذه المناسبة قال أمير المؤمنين لأحدهم : لو شهد شخصان ( والعياذ بالله فرضاً وهو مستحيل ) على أن الزهراء ارتكبت معصية ما.. فهل تصدقه ؟ قال : نعم . فأجابه الإمام : و حينها ستكفر بالقرآن . قال : لماذا ؟ قال الإمام ( ع ) : لقد شهد الله آية التطهير بطهارة فاطمة ونقائها .. فهل ترفض شهادة الله وتقبل شهادة شخصين من الناس ؟؟ فبُهت الذي كفر (20) .

_ عدم قبول شهادة الحسنين (ع ) بحجة أنهما لم يبلغا الحُلم ، حجةٌ واهية و لا مكانَ لها بين الأنبياء و الأئمة ، لأن مقامهم معصومٌ من الخطأ ، محفوظٌ من الزلل ، لا تجد فرقاً بين كبيرهم وصغيرهم في قول الحق ، فأفواههم دائماً تنطق حقاً و تقول فصلاً بغض النظر عن أعمارهم و ذلك لكونهم الصفوة المختارة من قبل العلي العظيم وهي صفوة لا تصدر منها إلا النور المبين و الحق المتين ، وإلا لما اختار الله للنبوة النبي يحيى وهو في الرابعة من عمره " يا يحيى خذ الكتاب بقوة واتيناه الحكم صبيا "  و عيسى في المهد " قال إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا "  وكذلك  الأمر للإمامين  الحسنين  (ع ) لقول النبي فيهما : " الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا " أي قاما بالأمر أو جلسا في الدار ، كما أنهما جزءٌ من عِترتِه التي أوصانا بالتمسك بها في قوله : " إني تارك فيكم الثَّقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي "(21 ).

وكذلك  ما رواه ابن بايويه عن أنس بن مالك  حول تفسير الآية الكريمة  " و من يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن أولئك رفيقاً " (22) روي عن الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنه قال : " أما النبيون فأنا ، وأما الصالحون فأخي علي ( الصديق الأكبر لقبه الخاص ) وأما الشهداء فهو حمزة وأما الصالحون فابنتي فاطمة والحسن والحسين " ، و ورد عن ابن عباس في غاية المرام حديثٌ بهذا المعنى إلى غير ذلك  من الروايات ، فلا يجوز رفض شهادتهما لأنه رفضٌ للآيات و السنة النبوية .

3-      بالنسبة للدعوى القضائية : معروفٌ في الفقه الإسلامي ( قاعدة التصرف ) ، ومعترفٌ بها من قِبل جميع المذاهب الإسلامية ، والتي تنص على أن من يملك شيئاً ( سواء كان مالاً أو أرضاً أو غير ذلك ) ، فيده فيه محكمة مطلقة ، ولا يمكن أخذ ما تحت تصرفه إلا أن يأتي المدّعي بدليل قوي يثبت خلاف ذلك ، لأن التصرفَ إمارةُ الملكية (23) ، و هذا ما أكده أبو بكر بنفسه حينما سأله الإمام علي (ع ) بعد خطبة الزهراء الغراء : لو كان لأحد ملك وهو يتصرف به ، وادعيتُ أنا إنه لي .. فهل تطلب مني بينة أم منه ؟ أجابه أبو بكر : أطلبها منك . قال الإمام : فلماذا تطلب من الزهراء بينة ؟ و قد كان عمالها في فدك و العوالي منذ ثلاث سنين .. فلماذا أخرجتهم منها ؟! (24)

إذاً إن المتصرف في ملك ما  لا يحتاج إلى دليل ليثبت ملكه ، بل على من ادّعى أن يقدم الدليل لقوله (ص)  : " البينة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه " (25) ، فـعندما طلب أبو بكر شاهداً من الزهراء كان الأوّلى به أن يأتي هو بالشاهد لأن البينة تُطلب ممن ادّعى ( أبو بكر ) لا ممن يتصرف ( الزهراء ) ، وأما الدليل على ملكيتها لفدك هو وجود عمالها ، و تصرفها المطلق فيها وذلك قبل وفاة الرسول (ص) بأكثر من ثلاث سنوات ، ومع أنها جاءت بشهودٍ لا يمكن ردّ شهاداتهم الحقة إلا إن جميع شهاداتهم رُدّت بحجج واهيةٍ لا تستند على أسس راسخة و دعائم ثابتة .

و الأمر في مثل هذه النوعية من الدعاوي يتطلب شهادتي عدلين أو شاهد ويمين المدّعي ، وهذا ما كان الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقضي به في حضورهما .. ما كان على أبي بكر إلا أن يحلفها اليمين الشرعية مع شهادة علي (عليه السلام ) ، ويحكم لها بذلك كما تقتضيه أصول القضاء ، على الرُّغم من أن أبا بكر كان على علمٍ بهذا الحكم إلا إنه لم يطبقهُ فلم يطلب من الزهراء قسماً بدل الشاهد الثاني .

4-  مذكورٌ في كتب التاريخ أن بعض الخلفاء من بني أُمية و بني العباس أعادوا فدك إلى أهل البيت (ع ) لتيقنهم بأنها من حق الزهراء (عليها السلام  ) و لا بد أن يرجع الحق لأصحابه ، وأول من أعادها الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز و اعترضه البعض فعلته بالقول بأن إعادته فدك لورثة الزهراء فيها تعريضٌ و تكذيبٌ للشيخين ( أي اغتصبها أحدهما بينما احتفظ به الآخر دون وجه حق ) ، فرد عليهم قائلاً : " أنا أعلم أن هذا المُلك كان تحت تصرف الزهراء .. فلمَ غصبوها إياها ، وأنا واثق بأن من يرضي الزهراء يرضى الله عنه " وبالفعل سلّم فدك للإمام الباقر (ع ) في المدينة إرضاءً للزهراء (عليها السلام  )(26).

يتضح لنا أن هذا الخليفة كان مُوقناً بحق الزهراء في فدك ، فأعادها خوفاً من أن يمتد غضبها إليه نتيجة للظلم الجائر الذي لحقها من قبل آبائه من الخلفاء السابقين له .

كذلك سلم أبو العباس السفاح والمهدي فدك إلى ذريتها ، كما شكّل المأمون مجلساً للعلماء لمناقشة قضية فدك و بعد إثبات حق الزهراء  .. أعادها إلى الإمام الرضا (ع ) إلى أن غصبها المتوكل ، و مازالت فدك مغصوبة إلى يومنا هذا .

_  ذكر ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة : أن أبا العاص زوج زينب أُسر في معركة بدر على يد المسلمين ، ففدت أسره بقلادة زفافها التي أعطتها السيدة خديجة (عليها السلام  ) ، بكى الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _  عندما رأى القلادة وأحزنه ما آلت إليها حال زينب لتفرط في قلادة أمها لذا أعادها إليها ..

هنا يتساءل ابن أبي الحديد ذاكراً لأستاذه النقيب هذه الرواية : لمَ لم يبلغ أبو بكر و عمر هذا المقام فـيُسران فاطمة بإعطائها فدك حتى لو لم تكن ملكاً لها ؟؟ أ لم يكن بالإمكان أن يطلبا من المسلمين أن يهبوها إياها ؟؟ و لو كانا فعلا ذلك لما أبى أحدٌ من المسلمين طلبهما .. هل كانت فاطمة أقل شأناً من زينب لدى الرسول و هي سيدة نساء العالمين  الأولين والآخرين ( 27).

وفي رواية أخرى ذكر لأستاذه كذلك قصة هبّار بن الأسود الذي أباح النبي (ص) دمه لترويعه ابنته زينب فقال : إذا كان الرسول (ص) أباح دم هبّار لترويعه زينب فطرحت ذا بطنها ، فظاهر الحال أنه لو كان حياً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها (28).

الدليل على أن فدك ليست ميراثاً :

_ لو كانت فدك ميراثاً لما تملّكتها الزهراء ثلاث سنين ونيف في حياة أبيها ( ص ) ، و لم يعارض أحد تصرفها فيها ، ولكن بعد وفاة أبيها خلا الجو لمغتصبيها لانتزاعها منها بقوة دون أي حجة لهم عليها .

_ و لو كانت فدك ميراثاً لما حقَّ للزهراء المطالبة بها بعينها دون غيرها من التركة ، مع العلم إن تركته (ص) لم تكن مقتصرة على فدك وحدها ، كما أن  الميراث يقسم حسب الشرع الإسلامي بحصص على الورثة دون اختيار أحد الورثة لشيءٍ معين ليرثه دون اعتبار للبقية وحاشا لله أن تكون الزهراء _  وهي العالمة المعلمة _ جاهلة بهذا الحكم (29) .

إذاً ما فدك إلا نحلةٌ موهوبة للزهراء من قبل العلي العظيم وبشهادة جبرئيل الأمين ، وذلك في النص القرآني  " و آت ذا القربى حقه "  حيث  أجمعت المصادر الشيعية والسنية في تفسيرها بأنها نزلت في السيدة فاطمة ( ع )

أما السبب الذي دفع الزهراء لأن تطالب بحقها في فدك تارة على أنها نحلة وتارة أخرى على أنها إرثٌ : وذلك لأن فدك ملكها مطلقاً و وجب عليها حفظها قدر الإمكان من أجل الحفاظ على حقوق نسلها الطاهر أيضاً لذلك لم يكن أمامها طريقة أخرى تستعيد حقها الحقيق بعد أن همضموه منها إلا أن تطالب بها كإرث لغاية في نفسها وهي :

_ أن تسجل (عليها السلام  ) في بعلها وبنيها نصوص الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيهم لبيان فضلهم على العالمين .

_ و تسجل مظلوميتها على القوم وعدم نصرتهم لها ، و ما كان من موقفهم المتخاذل تجاهها حقها وحق زوجها .

 _ كما تفضح ادعاءات مغتصبي حقها وتسجل عليهم تجاوزاً صريحاً لما أنزل الله سبحانه تعالى في كتابه ، تسجل أيضاً عدوانهم و انحرافهم عن الخط الذي رسمه الرسول فيما يعود لخليفته الشرعي ، و تكشف كذلك مؤامرتهم في الاستيلاء على الخلافة التي تجرعت مرارته ، و كانت أشد إيلاماً لنفسها .

 عموماً مهما طالبت الزهراء (عليها السلام  ) بفدك سواءً كانت نحلة أو إرث ، فإن أبا بكر لن يعطيها شيئاً مهما حاولت لذلك سبيلاً ، ونتيجة لمواقفها معه و ثورتها على خلافته ردّ عليها أبو بكر بردٍ عنيف ألا وهو اغتصاب حقها في فدك مع علمه بهذا الحق . 

أهداف ثورة الزهراء على الظلم :

لقد وقفت السيدة فاطمة ( عليها السلام  ) في معاناتها بجلدٍ صامدة صابرة ، بعد أن رفضت الذُّل و لم ترضخ للظلم .. قدمت الحجج الدامغة والبراهين القاطعة التي تؤكد حقها المسلوب وملكها المغصوب ، و مع ذلك لم تنل منهم إلا القهر والجور ، و لأن سجيتها أبية رافضة الظلم و الاضطهاد قامت بثورة احتجاج ورفض للظلم والعدوان ، و ما كان غصب الخلافة من بعلها و غصب فدك منها إلا رداً قوياً منهم على ثورتها ضدهم .

و الحقيقة إن هدف السيدة فاطمة _ سلام الله عليها _   لم يكن دنيوياً ، فلم يكن يهمها مال الدنيا ومتعها الزائلة ، و وجود فدك في يدها أو عدمها سيّان عندها ، لأنها كانت على علم يقيني بأنها ستلحق بأبيها بعد أيامٍ معدودات كما أخبرها الرسول ( ص ) في أيامه الأخيرة (30) ، و ما عُرف عنها يؤكد بالفعل صُغر الدنيا في عينيها لذلك لم تسعَ خلفها ، و لعل وضعها المعيشي خيرُ شاهد على ذلك فقد كانت تنفق عائدات فدك على الفقراء والمساكين بينما كانت تجلس على جلد الخروف و تلبس إزاراً بها عدة رُقع ٍ (31).

إنما كانت مصلحة الإسلام هي العليا في نظرها و التي تقتضي تولي علي للخلافة لأنه المكمل للنهج المحمدي وهذا هدفها الأساسي ، ومما يؤكد على أن الإسلام هو هدفها ، و بأنه فوق كل الاعتبارات :

_ حديثها مع نساء المهاجرين والأنصار حيث كان يدور حول الخلافة وحدها ، وموقف رجالهنّ المتخاذل منها ، و لم تتعرض لفدك و لا لغيرها من سهام ذوي القربى و الإرث (32) .

- وكذلك ما جاء في رواية شرح النهج وغيره من المرويات الشيعية أنها قد رجعت من المسجد بعد خطابها وبيدها كتاب كتبه لها أبو بكر في فدك ، فانتزعه منها عمر بن الخطاب و خرقه فقالت له : بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي هذه ، ورجعت إلى بيتها مكسورة مهضومة فتحدثت مع علي (عليه السلام ) بكلام تبدو عليه الشدة والقسوة _ نتيجة لضيق صدرها لما لحقها و لعظم ذنب الغاصبين _  و إذا بالمؤذن يقول : أشهد أن محـمداً رسول الله ،  فـقام علي إلى السيف وقال لها : أ تريدين الخلافة والإرث أم تريدين رسالة أبيك و بقاءها ؟  فتعلقت به وقالت : حسبي ذلك (33) .

أما هدفها الفرعي هو إحقاق الحق و إبطال الباطل وكان باطل مغتصبيها زهوقاً وذلك بطرح مظلوميتها ، و اهتمامها كان منصباً على كشف حقيقة من غصبوا حقها و حق بعلها بأنهم ظلمة .. جلّفة قلوبهم .. لم يرقبوا فيها إلاً و لا ذمة ، وأرادت إفهام المسـلمين بأن هؤلاء آذوها .. .. أ ليست هي من قال عنها الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : " فاطمة بضعة مني مَن آذاها فقد آذاني ، ومَن آذاني فقد آذى الله " ، أين أنت يا رسول الله ؟؟ أين أنت لترى ماذا أحدث القوم بعدك ؟؟ لترى أن القوم لم يخلف في وصيتك خيراً ؟؟ لقد أُذيت بضعة الرسول الطاهرة أيما أذية .. فما لكم كيف تحكمون أيها المسلمون ..؟؟ سُلب حق الزهراء ( ع ) و تدّعون بأن فدك من فيء المسلمين  بينما الغاصبون رتعوا في خيراتها واستفادوا منها في تقوية جانبهم ليضعفوا جانب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتداولوا ملكها واحتفظوا بها من دون حق ، و لم يكن أمام الزهراء إلا الدعاء شاكية مصيبتها لخالقها ، محتسبة أمرها عنده ، داعية غضباً على من سلب حقها وأكل إرثها بأن آكلوها سيجدونها يوم الحشر ساعرة حميم في لظى جحيم :

            جرّعـاها من بعد والدها الغيظ        مـراراَ فبـئس ما جرّعـاها

            أغضباهـا و أغـضبا عند ذاك       الله رب السماء إذ أغـضباهـا

            بنـتُ مَن أم مَن حـليلـة مَن       ويـلٌ لمن سن ظلمها وأذاهـا (34 )  

سكوت الإمام علي عن حق الزهراء ( عليهما السلام ) :

أسباب كثيرة دعت الإمام علي عن السكوت عن حق فاطمة (ع ) والذود عنه ،  و من ذلك :

_ خوف الإمام (ع )  على الإسلام من أن يمحى من الوجود ، وهو ما يزال حديث العهد حيث لم تتعمق جذوره بعد و لم تترسخ ، لذا خاف من اشتعال حرب داخلية في عُقر ديار الإسلام  وهي حرب لها بداية و ليست لها نهاية ، فتتشتت الجموع المسلمة وتتحزب لفرق متنازعة ، و تجر الويلات على الإسلام وأهله .

-    خشيته من قتله كافراً يخرج من نسله مؤمناً ، مستشهداً بقوله تعالى : " ولو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً " فكم أصلابٍ كافرة ظهرت منها أرواحٌ مؤمنة قاتلوا في صف الإمام ( ع ) .

-     عدم وجود ناصر أو معين في حربه ضد الظلم  ، فلم يجد الإمام ناصراً ينصره ، و لا معيناً يعينه ، فصبر على الضيم بأمر من رسول الله الذي صبر هو أيضاً ثلاث عشرة سنة لعدم وجود ناصر له ، ولكنه حارب في المدينة بعد أن ساعده الأنصار .

-    حفظه لنسل النبي (ص) وآله الأطهار (ع ) ، فعليُّ لو حمل سيفه على هؤلاء لتعرضت حياة الزهراء والحسنين للخطر (35) ، كما كان على الحسين فيما بعد أن يؤدي رسالته العظمى لتصل صداها إلى العالم أجمع ، وذلك في دعوته أيضاً لرفض الظلم بطلب الإصلاح في قومه و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

لهذه الأسباب سكت الإمام و زوجه عن الكلام .. وكل ذلك من أجل الإسلام ، فاحتسبا أمرهما إلى الله ، وكفى به شهيداً و ناصراً ، وليحكم الله بينهم و هو خير الحاكمين .

بعد كل هذه المناقشات والتساؤلات يتضح لنا أن فدك من حق فاطمة الزهراء ، ولكن ضاع حقها وحق ذريتها في زمان ضاع فيه كل القيم والمبادئ ، وحلّ فيه الطمع وحب السلطنة .

مأساة الزهراء شعراً :

لقد صور الشعراء مأساة الزهراء في قصائد تنطق أسىً وألماً ، وتضج بكاءً وحزناً لما عانتها تلك الطاهرة المطهرة في حياتها من ظلم و جور ، و من هؤلاء الشعراء الشاعر الأزري الذي لخّص مظلوميتها في أبيات رائعة الوصف حيث قال :


 

               أيـها الناس أي بنـت نبي        عن مـواريـثه أبـوها زواهـا

              كيف يـزوى تراثي عتيـق        بأحاديـث من لدنه إفـتراهـا

              هذه الكتب فاسألوها تروها        بالمـواريث ناطـقاً فـحواهـا

             و بمعنى يوصـيكم الله أمـر        شامـل للـعـباد في قـرباهـا

             كيف لم يُوصـنا بذلك مولانا       وتيـماً من دونـنا أوصـاهـا

             هل رآنـا لا نستحق اهـتداء     واستحـقت تيم الهدى فـهداها

             أم تـرانا أضلـنا في البرايـا       بـعد علم لكي نصيب خُـطاها

             أنصـفوني من جائرين أضاعا       ذمـة الـمصـطفى وما رعـياها

            وانظروا في عواقب الدهر كم       أمست عـتاة الرجال من صرعاها

            ما لكم منعتـمونا حـقوقـاً       أوجـب الله في الـكتاب أداهـا

           وحـذوتم حذو اليهود غـداة      اتخـذوا العـجل بـعد موسى إلها (36)

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و على آله الطيبين الأطهار عليهم أفضل الصلوات .. نسأل الله التوفيق في الدنيا والآخرة .

الهوامش :

1)    _ سيرة الزهراء ص 157

2)    - مؤتمر السقيفة ص70

3)    -من مقالة " فدك نحلة أم إرث " من موقع فدك .

4)    -من الموقع السابق

5)    -من الموقع السابق

6)    -سيرة الزهراء ص167

7)    _ مؤتمر السقيفة ص 70

8)    - المرجع السابق ص72

9)    - سورة النمل 16

10)          - سورة مريم 5-6

11)          - سورة النساء 11

12)          -بيت الأحزان ص 167

13)          - إشارةً إلى ركوبها الجمل في وقعة الجمل ، وركوبها البغل يوم منع دفن الإمام الحسن

14)          سيرة الزهراء ص166

15)          المرجع السابق ص167

16)          المرجع السابق ص 168

17)          - بيت الأحزان ص 174الأبيات للسيد الخد وعي

18)          - سيرة الزهراء ص164-165

19)          - سورة الأحزاب 33

20)          -سيرة الزهراء ص 164

21)          -المرجع السابق ص 165

22)          - سورة النساء 69

23)          - سيرة الزهراء ص 160

24)          - بيت الأحزان ص 145

25)          - المرجع السابق ص 146

26)          -سيرة الزهراء ص159

27)          - بيت الأحزان ص172

28)          -المرجع السابق ص 134

29)          - من المقالة في موقع فدك

30)          - مؤتمر السقيفة ص73

31)          -سيرة الزهراء ص 159-162

32)          -مؤتمر السقيفة ص 80

33)          -المرجع السابق ص 81

34)          -شعر السيد الجز وعي - بيت الأحزان ص 135

35)          - سيرة الزهراء ص 174- 175- 176

36)          مؤتمر السقيفة ص 86

 

قائمة بأسماء المراجع مرتبة ترتيباً هجائياً :

1-      بيت الأحزان في ذكر أحوال سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( ع ) / للشيخ عباس القُمي / دار التعارف للمطبوعات - بيروت - لبنان 1998م .

2-      سيرة الزهراء (ع ) / للسيد عبد الحسين دستـغيب / مؤسسة دار الكتاب ( الجزائري ) للطباعة والنشر / الطبعة الأولى 1416هـ

3-             فدك نحلة أم إرث / مقالة من موقع فدك .

4-             مؤتمر السقيفة / الدكتور محمد التيجاني السماوي / مؤسسة الفجر - لندن

 

 

                                  نور الزهراء / الدوحة - قطر

                               28 شعبان 1422هـ / 14 نوفمبر 2001م